أحمد مصطفى المراغي

6

تفسير المراغي

يشهدوا بأنك رسول اللّه ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم ( أحق ما تقول أم باطل ؟ ) أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلا ، فنزلت الآية . ثم أراد بعدئذ تسلية نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ببيان أن سنته في الخلق أن يكون للنبيين أعداء من الجن والإنس فقال : ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ) أي كما جعلنا هؤلاء ومن لفّ لفّهم أعداء لك جعلنا لكل نبي جاء قبلك أعداءهم شياطين الإنس والجن - قال مجاهد وقتادة والحسن : إن من الإنس شياطين ومن الجن شياطين - وأيده ابن جرير بما رواه أبو ذرّ ، وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال له عقب صلاة : « يا أبا ذر هل تعوّذت باللّه من شر شياطين الإنس والجن ؟ قال : قلت يا رسول اللّه وهل للإنس شياطين ؟ قال نعم » وجاء في سورة البقرة « وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ » الآية . ومعنى جعلهم أعداء للأنبياء : أن سنة اللّه قد جرت بأن يكون الشرّير الذي لا ينقاد للحق كبرا وعنادا أبو جمودا على ما تعود - عدوا للداعي إليه من الأنبياء وورثتهم وناشرى دعوتهم ، وهكذا الحال في كل ضدين يدعوا أحدهما إلى خلاف ما عليه الآخر ، في الأمور الدينية أو الاجتماعية ، وهذا ما يعبر عنه بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تدعو إلى التنافس والجهاد وتكون العاقبة انتصار الحق ، وبقاء الأمثل الأصلح كما قال تعالى : « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ » فالحياة جهاد لا يثبت فيه إلا الصابرون المجدّون ، وليس العمل للآخرة إلا كذلك ، « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » . ثم بين بعدئذ أن من أثر عداء هؤلاء الشياطين للأنبياء - مقاومتهم للهداية والدعوة التي كلفوا بها فقال :